ابن قيم الجوزية

261

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وتستدعيه من الأفعال ، وتعطيل الأفعال عن المفعولات ، كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله وأفعاله عن صفاته ، وصفاته عن أسمائه . وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته . وإذا كانت أوصافه صفات كمال ، وأفعاله حكما ومصالح ، وأسماؤه حسنى : ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه . ولهذا ينكر سبحانه على من عطله عن أمره ونهيه ، وثوابه وعقابه ، وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما يتنزه عنه وأن ذلك حكم سيىء ممن حكم به عليه ، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره ، ولا عظمه حق تعظيمه ، كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 91 ] وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزّمر : 67 ] وقال في حق من جوز عليه التسوية بين المختلفين ، كالأبرار والفجار ، والمؤمنين والكفار أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 ) [ الجاثية : 21 ] فأخبر أن هذا حكم سيىء لا يليق به ، تأباه أسماؤه وصفاته . وقال سبحانه : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) [ المؤمنون : 115 ، 116 ] عن هذا الظن والحسبان ، الذي تأباه أسماؤه وصفاته . ونظائر هذا في القرآن كثيرة . ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته . إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها . فاسمه « الحميد ، المجيد » يمنع ترك الإنسان سدى مهملا معطلا ، لا يؤمر ولا ينهى . ولا يثاب ولا يعاقب . وكذلك اسمه « الحكيم » يأبى ذلك . وكذلك اسمه « الملك » واسمه « الحيّ » يمنع أن يكون معطلا من الفعل . بل حقيقة « الحياة » الفعل . فكل حي فعّال . وكونه سبحانه « خالقا قيوما » من موجبات حياته ومقتضياتها . واسمه « السميع البصير » يوجب مسموعا ومرئيا . واسمه « الخالق » يقتضي مخلوقا . وكذلك « الرزاق » واسمه « الملك » يقتضي مملكة وتصرفا وتدبيرا ، وإعطاء ومنعا ، وإحسانا وعدلا ، وثوابا وعقابا . واسم « البر المحسن ، المعطي ، المنان » ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها . إذا عرف هذا . فمن أسمائه سبحانه « الغفار ، التواب ، العفوّ » فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات . ولا بد من جناية تغفر ، وتوبة تقبل ، وجرائم يعفى عنها . ولا بد لاسمه « الحكيم » من متعلق يظهر فيه حكمه . إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم « الخالق ، الرازق ، المعطي ، المانع » للمخلوق والمرزوق والمعطى والممنوع . وهذه الأسماء كلها حسنى . والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه . فهو عفوّ يحبّ العفو ، ويحب المغفرة . ويحب التوبة . ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال . وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله ، ويحلم عنه ، ويتوب عليه ويسامحه : من موجب أسمائه وصفاته . وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك . وما يحمد به نفسه ويحمده به أهل سماواته وأهل أرضه : ما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده . وهو سبحانه الحميد المجيد ، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما .